آراء وتحليلات

إضاءات مشر قة على نصر اكتوبر حرب الاستنزاف والدروس المستفادة (5)

بقلم / سهام عزالدين جبريل


من المؤكد أن ، مراحل حرب الإستنزاف مثلت نموذج حى لإقتحام المصريين حاجز هزيمة يونيو 1967 الذى ادى الى إشراقة يوم السادس من أكتوبر1973م والتى فيها إقتحموا الطريق لملحمة النصر والعبور وإقتحموا التاريخ ليسجلوا أعظم ملامحه وبطولاته ،
فقد عاشت مصرالملحمة الكبري لشعب عظيم أبى الرضوخ للهزيمة ، فكانت ملحمة إعادة بناء القوات المسلحة, وملحمة قهر الهزيمة ، وإعادة بناء الثقة وتلاحم جبهة امواجهة وحماية وتأمين وتحصين الجبهة الداخلية وملحمة بناء الاقتصاد القوي , والدور الهام القوى المساند والمدعم والمكمل لأهلنا فى سيناء خلف خطوط العدو ومعركة إدارة الصراع السياسي علي المستويين الإقليمي والدولي ومعركة إعادة وحدة الموقف العربي واتخاذ قرارات الصمود والتصدي في قمة الخرطوم عام 1967 ،
ففى خلال ثلاث سنوات ونصف خاض الجيش المصري أروع ملاحم بطولاته, وكان الشعب من وراء الجيش يسانده ويدعمه ماديا ومعنويا لانتزاع المستحيل واسترداد سيناء ومقاومة اهلها كل ذك جعل ذلك المستحيل حقيقي اضعف قوه العدو المزعومة ومنع تمكن الإسرائيليين من ضم وتهويد هذه الأرض المباركة من تراب مصر الغالي ، انها دروس يجب ان تقدم ويعاد قراءتها لتعريف الاجيال الشابة والصاعدة بتاريخ وطنهم وصلابة مجتمعهم وقوته فى إجتياز اصعب المراحل وعبورسنوات المحن ،
كانت البداية بقرار اتخذه الزعيم جمال عبد الناصر, بعد أن كلفه الشعب بإزالة آثار العدوان, وهو تعيين الفريق أول محمد فوزي قائدا عاما للقوات المسلحة في11 يونيو1967, وتعيين الفريق عبد المنعم رياض( الضابط الذهبي) رئيسا للأركان, والفريق طيار مدكور أبو العز قائدا عاما للقوات الجوية, واللواء بحري فؤاد محمد ذكري قائدا للقوات البحرية. ويذكر الفريق أول محمد فوزي أن الرئيس قرب نهاية جلسة التكليف أنه قال: إن المواجهة مع إسرائيل تتم في الوقت المناسب, وأنني يا فوزي- لا أريد أن يتم تهويد سيناء أو الضفة الغربية.
كانت البداية هي حسن اختيار القيادة الجديدة. محمد فوزي مسئول عن إعادة بناء القوات المسلحة, وكل من مدكور أبو العز وفؤاد ذكري إعادة بناء القوات الجوية والقوات البحرية لتكون قادرة علي القيام بواجبها كاملا في معركة التحرير وقبلها في معركة استعادة المعنويات والكرامة. أما الفريق عبد المنعم رياض فكان عبد الناصر يراه البطل الذي سوف يعبر بمصر إلي سيناء ويستعيد الأرض المحتلة, هو بطل وقائد النصر الذي يخطط له الزعيم, لكن البطل ترجل وسط جنوده علي الخط الأول لجبهة القتال واستشهد ليعلن للعالم كله أن قائد جيش مصر يستشهد بين قواته وأن هذه هي علامة النصر.
وكانت الانطلاقة بالانخراط المباشر في الحرب مع العدو علي مدي ثلاث سنوات ونصف إلي أن اكتمل الاستعداد لخوض معركة الاقتحام المجيدة في السادس من أكتوبر1973, كما كانت حرب الاستنزاف كذلك أول صراع مسلح يضطر العدو للاحتفاظ بنسبة تعبئة عالية ولمدة طويلة, وهو ما ترك آثاره السلبية علي معنويات سكان الكيان واقتصاد الدولة بدرجة لم يسبق لها مثيل في الحروب السابقة, خصوصا أن قادة العدو كانوا قد أعلنوا لشعبهم أن جولة1967 هي آخر الحروب. فإذا بالاستنزاف يتصاعد ويحطم مصداقية القادة في نظر الشعب.
وتضمنت هذه الحرب ثلاث مراحل رئيسية هي مرحلة الصمود ثم مرحلة المواجهة والدفاع, وأخيرا مرحلة الردع والحسم وبعدها كانت مصر قد كسرت حاجز الخوف وامتلكت قدرات النصر الذي تحقق يوم السادس من أكتوبر.
كانت حرب الاستنزاف بحق هي حرب المعجزات لأنها استمرت ثلاث سنوات ونصف متواصلة فخلال الالف يوم, تلقت فيها إسرائيل ضربات موجعة من الجيش المصري الذي ظنت بغرورها أنها قضت عليه نهائيا قبل ستة أيام فقط من استرداد الجيش المصري قدرته علي المواجهة وعلي النصر نحو ما تأكد في معركة رأس العش والتى تمت بعد يونيو 67 مباشرة ،
اعتمدت القيادة السياسية في مواجهتها لآثار هذه الهزيمة علي محورين:
أولا: المحور العسكري
وتركزت في هذا المحور كل الخطط والعمليات العسكرية التي اضطلعت بها القوات المسلحة المصرية سواء لتطوير أداء وقدرات هذه القوات أو علي مستوي العمليات القتالية مع العدو وكان الهدف من تلك المرحلة أمرين: الأول, إنزال أكبر خسائر ممكنة للعدو علي الضفة الشرقية. الثاني, منع العدو من الوصول إلي غرب القناة.
ووضعت القيادة السياسية جملة من الأهداف لتجاوز النكسة تتمثل في:
1- إعادة بناء القوات المسلحة.
2- إعادة الثقة للجنود في أنفسهم وفي قادتهم.
3- إعادة الضبط والربط, إعادة تدريب القوات.
4- تنظيم الوحدات.
وبدأت هذه المرحلة بلقاء بين الرئيس جمال عبد الناصر والفريق اول محمد فوزي في11 يونيو1967, ولقد تم الاتفاق في هذه الجلسة أنه من المصلحة ألا نثيرالعدو في هذه المرحلة, ومعني ذلك أن نبقي سلبيين, ومن يفتح النيران علي الخط الأمامي غرب القناة يحاكم محاكمة عسكرية, وقد وقع الفريق فوزي منشورا بذلك, الا أن الجنود في منطقة الشط شمال السويس لم يستطيعوا تنفيذ هذه الأوامر وكانوا يوجهون اسلحتهم في اتجاه أي اسرئيلي علي الضفة الأخري للقناة ولم تستطع القيادة العسكرية إيقاف هذا الأمر بعد ما حدث في يونيو1967. وكانت هذه المعارك أكبر شاهد علي ذلك
1- معركة رأس العش:
وقعت أحداثها يوم1 يوليو1967, وتعتبر هذه المعركة هي الشرارة الأولي للحرب.
2-معارك القوات الجوية:
خلال يومي14 و15 يوليو1967, نفذت القوات الجوية المصرية طلعات هجومية جريئة ضد القوات الإسرائيلية في سيناء, أحدثت فيها خسائر فادحة, بل أدت إلي فرار بعض من الأفراد الإسرائيليين من مواقعه .
3-معارك المدفعية: إستمرت معارك المدفعية والتراشق بالنيران طوال مرحلة الصمود
4-إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات:
كان ذلك يوم21 أكتوبر1967, إذ تمكنت زوارق صواريخ البحرية المصرية من إغراق المدمرة ايلات في منطقة شمال شرق بورسعيد, وتعد هذه المعركة أول استخدام للصواريخ سطح سطح. وكانت خسارة فادحة للقوات البحرية الإسرائيلية, خاصة أن هذه المدمرة كانت تمثل أهمية كبيرة لها في ذلك الوقت,
استغلت القوات المسلحة ارتفاع الروح المعنوية للجنود وعملت علي زيادتها فاتجهت إلي التوجيه المعنوي, ونشطت فيه مما أدي إلي رفع الروح المعنوية للجنود, بالإضافة إلي ذلك فقد اكتسبت القوات كلها الثقة في السلاح والثقة في الجندي المستخدم لهذا السلاح.
ثانيا: المحور السياسي
اعتمدت القيادة المصرية في هذه المرحلة علي الدعم السياسي الخارجي خاصة من الدول العربية والاتحاد السوفيتي.
فانطلاق حرب الاستنزاف كانت هدفا يخدم مصالح العرب, السياسية والعسكرية, بينما يضر بمصالح إسرائيل, التي كانت حالة اللاسلم واللاحرب تحقق لها هدف ترسيخ الأمر الواقع, وتنعش آمالها برضوخ العرب في آخر المطاف وتعبئة الطاقات والموارد العربية, كل بقدر طاقته واستعداده.
فقد عملت هذه الحرب علي تحريك القضية وإيقاظ ذاكرة العالم بأن منطقة الشرق الأوسط لا تزال ساخنة, وأن الشعب المصري يرفض الأمر الواقع, وأنه يصر علي تحرير الآراضي العربية, وأن الخط الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية لن يكون أبدا خط هدنة جديد. مع تحفيز الاتحاد السوفيتي لسرعة إمداد مصر بأسلحة متقدمة, تحقق القدرة علي تحرير الأرض, وإحداث توازن مع العدو.
مؤتمر القمة العربي بالخرطوم:
فقد أدت هزيمة يونيو إلي دفع جميع القادة العرب إلي ضرورة نبذ الخلافات والخصومات لمواجهة آثار العدوان الاسرائيلي والوقوف إلي جانب الدول المتضررة من هذا العدوان, فبدأت الدعوة لعقد قمة عربية وانعقدت هذه القمة في الخرطوم في29 أغسطس1967 وفي تلك القمة كان هناك رفض بالإجماع للهزيمة والاستسلام لإسرئيل. وكان هناك تأكيد وحدة العمل الجماعي وعلي التنسيق وتصفية الشوائب, وعلي التمسك بميثاق التضامن العربي ،
التضامن االأفريقى .
مثلت هذه المرحة من نكسة يونيو 67م امتدادا الى انتصار اكتوبر 73م اعلى مراحل التضامن الأفريقى مع مصر حيث اعتبر ت الدول الأفريقية أن احتلال إسرائيل سيناء كجزء من الأراضى المصرية هو بمثابة إحتلال لأاراضى أفريقية فكانت سياسة قطع العلاقات الأفريقية لأسرائيل رد فعل وإحتجاجا صريح ورفض لهذا الإحتلال واعلانا للتضامن الأفريقى مع مصر فكان الحراك العربى الأفريقى محركا هاما فى دعم الموقف المصرى عى الصعيد الاقليمى والدولى ، والتى كانت داعما اساسيا لدفع المجتمع الدولى بإتخاذ موافق ايجابية لصالح مصر ،
ويعتقد المؤرخون والعسكريون ان مرحلة الدفاع بدأت مع صدور قرار الامم المتحدة رقم242 في نوفمبر1967 فقبل ذلك القرار كان الجيش المصري يعمل علي تنفيذ تعليمات القيادة السياسية بإزالة آثار العدوان, ثم عقب ذلك تأييدا لموقف عربي صادر من جامعة الدول العربية في مؤتمر الخرطوم. ولكن أضيف الي ذلك قرار المجتمع الدولي كله بإدانة اسرائيل وعدوانها. في تصريحات ما زالت غير منشورة للفريق فوزي في ندوة عقدت بمركز الاهرام للدراسات السياسية بالاهرام في1997 قال: أصبحت أنا كقائد عام مسئول يحارب عندي قرار سياسي من دولتي, عندي قرار سياسي هو نفس القرار من الناحية الإقليمية في الوطن العربي, عندي نفس هذا القرار والشعور دوليا من وجهة نظر الدول الكبري.أصبح عندي تأييد كامل علي الثلاثة مستويات بأن التحرير تحرير الأرض أمر شرعي حتي حدود4 يونيو.والتى عرفت بمرحلة المواجهة والدفاع نوفمبر1967 مارس1969 حيث تنتهي مرحلة الدفاع في مارس1969 مع استشهاد اللواء البطل عبد المنعم رياض في الخطوط الامامية علي الجبهة ، تلتها مراحل أخرى أكثر قوة ساهمت فى تغيير موازين القوى لصالح الجبهة المصرية ،،،
ثالثا : نكسة الطيران الإسرائيلى وتغيير موازين القوى :
بدأت موازين القوي تتغير لصالح مصر وذلك في ليلة1970/6/30, حينما أنتهت القيادة المصرية, بمساعدة الخبراء السوفيت, من بناء شبكة من صواريخ سام-2 وسام-3 علي عمق27 كم قرب القناة, وحمتها بحوالي ألف مدفع مضاد للطائرات. وكانت لتلك الشبكة آثارها المفاجئة علي العدو, حينما قامت الطائرات الإسرائيلية بالاستطلاع الجوي اليومي للجبهة في صباح30 يونيو.1970 حيث قامت بهجوم جوي بعدد24 طائرة مقاتلة, أسفرت عن تدمير أربع طائرات وأسر ثلاثة طيارين, وقد أطلق علي ذلك الإنجاز المصري أسبوع تساقط الفانتوم. حيث أعتبر الخبراء العسكريون تلك الخسائر الإسرائيلية بأنها بمثابة أول نكسه للطيران الإسرائيلي.
رابعا : عيون مصر خف خطوط العدو والمقاومة
ولقد تفاقمت هذه النكسة أيضا بفضل النضال ومواجهة العدو داخل سيناء المحتلة ونشاط الفدائيين واستمرارالمقاومة اوطنية إلي زيادة السخط الشعبي ضد القيادة الإسرائيلية ، نظرا للخسائر الفادحة التي لحقت بإسرائيل وذلك مقابل التقدم الذي يحققه الجانب المصرى
كان إعلان الحداد والحشد المقاومة الشعبية ، هوالتصرف التلقائى لأهالى سيناء المحتلة ، فإرتدى رجالها الجلباب الأبيض الذى قصد به تصوير رمزى للحالة التي يعيشها الاهالى فكان القصد منه أن كل رجل من رجالها بزية الأبيض يحملون أكفانهم على أكفهم واتشحت النساء بالسواد تعبيرا عن الحزن وانتظارا للثأر، فكان إرتداء ولبسن الزى الأسود (القنعة والداير ) وهو زي مكون من جونلة سوداء واسعة طويلة وغطاء للرأس عبارة عن طرحة كبيرة تغطى الرأسى والصدر والأكتاف ، وكان هذا الرداء يلبس فوق الزى المعتاد سواء كان فستان او بنطلون وبلوزة ، وهذا الزى الذى إرتدته نساء وفتيات مدينة العريش وكافة مدن وقرى سيناء ، إستمر هو الزى الرسمي لهم حتى عودة سيناء عام 1982م ، وكان يمثل شكلا من أشكال المقاومة التعبيرية الصامته ، التي تعددت وسائلها وألياتها في سيناء ، فمنها ماكان واضحا صريحا ومنها ماكان سريا ومنها ماكان ضمنيا أو تعبيريا صامتا ، ومن وسائل المقاومة الأخرى التي إستخدمها الأهالى في سيناء هي أسلوب المقاومة السلبية والمتمثلة في رفض التعامل أو التعاون مع العدو الإسرائيلي بأى شكل من الأشكال ، وفى مواجهة هذه المقاومة الشعبية إستخدمت قوات الإحتلال الإسرائيلي أبشع وسائل العنف والبطش والإرهاب لقمع السكان وقد كشفت التحقيقات الدولية عن حكايات يشيب لها الولدان تثبت أن الصهيونية تفوقت على ربيبتها النازية ، في تعاملها مع أهل سيناء ، فكانت المواجهة التي إستمرت من 13: 15 عاما بين المدنيين العزل وبين قوات الاحتلال المدججة بأحدث الأسلحة والمعدات ، فألة الحرب العمياء الصماء ، أصبحت في مواجهة مع المدنيين العزل من رجال وسيدات وأطفال ، ولم تفرق بين طفل صغير أو شيخ كبير أو سيدة مسنة ، وبرغم كل هذه المعاناة فإن التحدى والمواجهة كانت قوية من قبل الأهالى وظل الصمود هو عنوان ومسار هذه المرحلة القاسية من تاريخ سيناء ،،،
هكذا هي سيناء في صمودها وإبائها لاتنام وعيونها ساهرة رابضة راصدة مدمرة لكل مخططات العدو وتحركاته على أرضها ، ظلت صامدة متماسكة تتحدى وتتحمل وترابط ولا تفرط في عزة وكرامة أهلها وأرضها التي قال عنهم موشى ديان ، وزير الدفاع الصهيوني السابق ، حين قال في حق أهل سيناء بدو وحضر ، العالم كله ينام ويقيل ، إلا بدو سيناء ، عيون ساهرة ٢٤ساعة في اليوم لا يعرف كيف!!!
وهذه الكلمات المنقولة من مذكرات موشى ديان عن حرب 73 والذى قال فيها أن أهل سيناء كانو كل خنجر فى ظهورنا وبشهادة أكبر القادة الذين خاضوا حرب الإستنزاف ، الذين عرفوا أهل سيناء عيون مصر وجيشها الأبى وأقمارها الصناعية خلف خطوط العدو،،،
فهكذا كان تكامل الادوار وتناغمها وترابطها ، ركيزة من ركائز القوة والتقة التى اسست الأرضية الصلبة لصناعة الملحمة العظيمة لحرب اكتوبر73 ،،، ومازال للحديث بقية .
————————————————–
خالص تحياتى / سهام عزالدين جبريل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *