آراء وتحليلات

أدب الخيال العلمى.. علاقة العلم بالأدب والمستقبل

 

حاتم عبدالهادي السيد

يعتبر أدب الخيال العلمي واحداً من أهم المجالات التي ربطت العلم بالأدب والفنون؛ وفتحت للذائقة الأدبية مساراتٍ جديدة؛ وآفاقاً أكثر تحديثاً ورؤية؛ وَتَحَدّبَاً ؛فلم تعد الرواية أو القصة القصيرة تتنمذجان حول موضوع أو شكل معين؛ بل رفدهما الخيال بمناطق جديدة مَثَّلَت طفرة في الفكر والتخييل؛ وفتحت الطريق لخيال المبدعين لِيُعَبِّروا عن تلك المجالات؛ ومن هنا تأسس أدب الخيال العلمي .

ولعل التطور العلمي والتكنولوجيا؛ والتقنيات التي ارتبطت بهما قد فتحت أمامنا آفاقاً جديدة لم يتطرق إليها الخيال من قبل؛ ولقد نشأت عندئذ الحاجة إلى وجود أدب جديد يعبر عن هذه التقنيات الحديثة – كما أرى – فالإنترنت والتكنولوجيا والآلات الحديثة ووسائل التواصل الإجتماعي وغيرها قد أدت إلى ظهور ” الأدب الرقمى”؛ والرواية التفاعلية؛ وغيرها؛ من أقسام جمعت بين العلم والفلسفة والآلة ؛ ومزجت أفكار الروبوتات والذكاء الصناعي والنانوتكنولوجيا “التقنيات متناهية الصغر” بالفضاء الإلكتروني والكائنات الفضائية؛ كما ظهرت فنون شعرية وقولية وعلمية تحدثت عن التقنيات ووسائل العلوم والتكنولوجيا؛ بل وتحدثت عن المخترعات العلمية والاكتشافات المذهلة مثل الصواريخ العابرة القارات؛ والطائرات التي تسبق الصوت والصاروخ الذى يصل إلى القمر؛ ويسافر إلى النجوم والكواكب والأفلاك الأخرى؛ وبدأ العلم يتحدث عن السفر إلى الماضي والمستقبل ؛ وعن” آلة السفرعبر الزمن “؛ والأسلحة البيولوجية؛ والكائنات الفضائية ؛ والنيازك والشهب وغيرها، وكان لزاماً على الأدب أن يساير هذا التقدم العلمي؛ فنشأ ما أطلق عليه العلماء والأدباء ” أدب الخيال العلمي” ؛وفتح هذا المجال أبوابه ليطرق عالم الرواية والقصة والشعر؛ بل تعداها إلى الكتابة الحرة –عبر النوعية – والفنون ؛ والكتابة العلمية التى تستشرف الخيال؛ وتمضى عبر عالم مابعد الطبيعة والميتافيزيقا؛ فظهر ” أدب الرعب ” ؛ والأدب الرقمي ؛ الأدب التفاعلي؛ التشاركي؛ وغير ذلك .

ويقوم أدب الخيال العلمى في جوهره على النظريات والتصورات والفرضيات العلمية الفبزيائية والكيميائية والبيولوجية والفلكية؛ بل يصل إلى علوم الأفلاك والنجوم والفضاء والتَّفكر فيما بعد في الطبيعة؛ أو اللاميتافيزيقا كذلك. ولعلنا نشير إلى رواية ” من الأرض إلى القمر؛ التى كتبها جون فيرن عام 1865م كرواية تَصَوَّر فيها الكاتب ذاته يهبط على القمر؛ ولقد تحققت نبوءته واستشرافاته العلمية الخيالية بعد مرور قرن من صدور الرواية ؛ ففي 16 يوليو عام 1969م هبط نيل أرمسترونغ على سطح القمر؛ كما تبعه رائد الفضاء: “جاجارين”؛ لتتحق الأحلام العلمية التخيليية؛ والتصورات التى أُبْتُنٍيَتْ على فرضيات العلم؛ وشطحات الخيال على أرض الواقع .

(2)

والخيال العلمي – كما جاء في الموسوعة العربية : هو الانتقال في آفاق الزمن، على أجنحة الحلم المُطَعَّم بالمكتسبات العلمية الجديدة، وغالباً ما يطرق مؤلفو قصص الخيال العلمي Science Fiction أبواب المستقبل بتنبؤاتهم من دون زمن محدد. وفي قصص الخيال العلمي نظرة واسعة إلى العالم يدخل فيها العلم فيمتزج بحقائقه مع خيال الكاتب، وتُرسم أحداثاً تنقل القارئ إلى المستقبل؛أو إلى الماضي فتثيره وتذهله. والرابطة بين العلم والخيال رابطة عميقة متماسكة، ومن يكتب في هذا النوع من الأدب لا ينجح إلا بالتّسَلّح بثقافة علمية واسعة يستخدمها في أحداث قصصه ورواياته.

وفي معجم المعاني عرّفَ أدب الخيال العلميّ بأنه : نوع أدبيّ أو سينمائيّ ؛تكون فيه القصَّة الخياليّة مبنيَّة على الاكتشافات العلميَّة التأمليَّة؛والتغيّرات البيئيّة,وارتياد الفضاء، والحياة على الكواكب الأخرى. . ويعرف معجم أكسفورد أدب الخيال العلمي بأنه: “خيال يتعامل مع مكتشفات ومخترعات علمية حديثة بطريقة متخيلة.”

وهذه التعريفات – كما يقول د./ نهاد شريف في كتابه ” أدب الخيال العلمى العربى :” فد تشمل موضوعات تُضًيِّقُ المجال أمام الكُتَّاب؛وهذا ما حدا بالكاتب “ج. أ. كودون”لوضع تعريف شامل لمصطلح أدب الخيال العلمي؛ يقول : نستطيع القول إنه الأدب الذي يتعامل جزئيا أو كلياً مع موضوعات الغرائب والخوارق والمخاطر، وهذا يتيح لنا إدخال كُتّاب مثل: “بورخيس” وآخرين، ولكن وبما أن أناساً عديدين قد بينوا ذلك، فإن هذا يعني أيضاً أن أدب الخيال العلمي في الأساس شكل حديث وشائع؛ يتصل بعدد من الأعمال العظيمة القديمة مند ثلاثة آلاف عام، فأوديسا هوميروس، على سبيل المثال ستكون مؤهلة جداً لأن تكون أدباً خيالياً علمياً تحت هذا التعريف، وكذلك ستكون “الكوميديا الإلهية” وأمثلة عديدة من الرؤى الخيالية في أدب العصور الوسطى، وهذا يوضح لنا كم سيكون هذا التعريف الواسع غير مرضي للرواد مثل جول فيرن وهــ. ج. ويلز.

وفى حديثه عن نشأة العلوم والخيال العلمي؛ يقول د./ محمد عبدالحنان في مقاله عن” الخيال العلمي في الأدب العربي المعاصر”: إن الكثير من الابتكارات والاختراعات العلمية التي تنتفع بها حضارة اليوم من الوسائل العلمية في الاتصالات والمواصلات والهندسة والطب والكمبيوتر وفي الأفلاك وفي مجال الحرب وغيرها وفي مختلف شؤون حياتنا ما هي إلا خيال علمي تَصَوّره العلماء في عصور سابقة في الزمن القريب والبعيد.

(3)

لقد نشأ أدب الخيال العلمي في القرن التاسع عشر في أوروبا؛ ثم تبلور شكله الحداثي في القرن العشرين؛ وبداية الألفية الجديدة؛ قم انتقل إلى العرب بعد ذلك.

ولقد ظهر الاهتمام بأدب الخيال العلمي في أوروبا وأمريكا ؛ وعن أهمية هذا النوع من الأدب يقول كاتب المستقبليات الأمريكي “ألفين توفلر” في كتابه “صدمة المستقبل” : “ إن قراءة الخيال العلمي أمر لازم للمستقبل” . وعن الدرس النقدي العلمي لهذا اللون الأدبي يقول كاتب الخيال العلمي البريطاني “آرثر سي كلارك” ؛ صاحب فكرة أقمار الاتصالات الصناعية: “القراءة النقدية لأدب الخيال العلمي، هي بمثابة تدريب أساسي لمن يتطلع إلى الأمام أكثر من عشر سنوات؛ وفي الماضي كان الناس يقرأون الخيال العلمي كوسيلة للترفيه والتسلية، ثم استعملوه لتخطيط المستقبل، لكن الآن أصبح من أهم الوسائل التربوية والتعليمية الحديثة, كما أنه من أهم الأسباب الضرورية للإبداع والاختراع والابتكار والفكر، لغرس حب العلم وإعداد العلماء والمبدعين والمبتكرين والمفكرين، وليستعد الجيل الجديد لمواجهة صدمات وتحديات الحاضر والمستقبل.

أشهر رواد أدب الخيال العلمى :

يعد الروائي الفرنسي جول فيرن Jules Verne رائد ومؤسس أدب الخيال العلمي الحديث، كما يُعد الأب الروحي المؤسّس هذا الفن الجديد 1863م ولقد أصدر العديد من الروايات منها : “خمسة أسابيع في منطاد” ؛ “من الأرض إلى القمر” ؛ ”عشرون ألف فرسخ تحت البحار” ؛”الجزيرة الغامضة”؛ وغيرها .

ومن أهم الروّاد كذلك : هربرت جورج ويلز الذى بدأ إصدار أعماله منذ عام 1895م؛ ومنها رواية : “آلة الزّمن”. ومن هؤلاء الرواد الكاتب الرّوسي ” إسحق أزيموف” ومن أشهر مؤلّفاته: “أنا الإنسان الآلي”.

رواد أدب الخيال العلمى من العرب :

لقد أسهم العرب – منذ البداية – في نشأة هذا الأدب الجديد؛ وظهر من كتاب ” أدب الخيال العلمي كتاب : ” ألف ليلة وليلة”، أعمال ابن طفيل؛ ” رسالة الغفران لأبى العلاء المعري”؛ وغيرهم .

ولقد قام “رفاعة الطهطاوي” بترجمة كتاب “مغامرات تليماك” للكاتب “فنلون”؛ تحت عنوان :“مواقع الأفلاك في وقائع تيليماك” بين عامي 1851-1854م. ويعتبر هذا أول كتاب عربي مٌترجم في الخيال العلمي.

كما قدم الروائي / نهاد شريف مجموعته القصصية : “قاهر الزمن” ؛ وروايات : ”الشيء” ؛”الذي تحدى الإعصار” ؛”تحت المجهر” ؛”بالإجماع” ؛”سكان العالم الثاني”؛ ورواية :“رقم 4 يأمركم” وغيرها . ويعتبر نهاد شريف أحد أهمّ روّاد أدب الخيال العلمي، حيث يلقب بعميد أدب الخيال العلمي العربي (1930-2011م). وكذلك د. / طالب عمران الذى كتب سبعين رواية في هذا المجال منها : “ضوء الدائرة المعتمة” ؛ ”أسرار من مدينة الحكمة”؛” مساحات للظلمة” ؛”السبات الجليدي” ؛”ثقب في جدار الزمن”؛ ”الخروج من الجحيم” ؛”بئر العتمة” ؛”طيور وسط النيران” ؛ وغيرها .

وفى الأربعينات برزت محاولات يوسف عز الدين عيسى؛ الذى يعتبر أول من أذاع القصص في الخيال العلمي في الراديو، ونشر مقالاته العلمية في جريدة الأهرام تحت عنوان :“مع الفكر والخيال.” وبعد من أوائل من كتبوا في هذا المجال الروائي المفكر المصري “توفيق الحكيم ” في رواياته : ” سنة مليون” 1953م،”رحلة إلى الغد” عام 1958م،”لو عرف الشباب” ورواية :”تقرير قمري” ؛ ”الاختراع العجيب”. وكذلك كتب فتحي غانم رواية :“من أين” والتي طبعت عام 1959م.

ولقد تأثر الكتاب العرب بالترجمات؛ وبدأ كثيرون يكتبون على نمط على هذه الروايات؛ منذ أوائل الستينات ومن هؤلاء رواية العالم المصري أ.د / مصطفى محمود : “العنكبوت”؛ رواية : “رجل تحت الصّفر”. ومن الكتاب الأوائل في هذا المجال يوسف السباعي، فى روايته : “لست وحدك” 1970م. كما قدم الدكتور / أحمد خالد توفيق العديد من الروايات في أدب الخيال العلمي؛ وفي أدب الرعب العربي. وهناك علاقة عميقة بين المجالين. ومن أشهر رواياته رواية : “يوتوبيا”؛ وهي رواية اجتماعية في الخيال العلمي تدور أحداثها في المستقبل؛ وكذلك د. نبيل فاروق وغيرهم. وتوالت الأعمال في هذا المجال بكثرة لدى “الكُتَّاب الشباب”؛ في هذا العصر الحالي .

وفى النهاية : لابد من الإشارة بأنّ هذا النّوع من الأدب – كما أسميه – أدب الاستشراف الجديد ” يقوم على وقائع وصل إليها العلم ؛ويتوقّع الكُتّاب أنّ يتم تَطوّرها – عبر التخييل – وهذا سيمنح البشرية : ” نواتج الخيال الجيدة ” ؛ لتطوير هذه الافكار المتخيلة؛ والتى قد تصبح حقيقة ؛ بوماً ما – عبر استلهامات المخيال الكوني؛ وتشابكاته مع اللاميتافيزيقا؛ والتقدم التقني العالمي؛ وهذا من شأنه أن يؤسس ويؤطر للعلم نتائجه المستقبلية؛ وينشط الخيال؛ ويربط الأدب والفنون؛ بالعلم وفرضياته؛ وابتكاراته الجديدة ؛ خاصة لدى الأطفال؛ صُنَّاع المستقبل الجديد.

حاتم عبدالهادي السيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى