آراء وتحليلات

سيناء ممر… أم مستقر ؟؟؟

بقلم / سهام عزالدين جبريل

سهام جبريل
منذ عد سنوات كنت في احد جلسات الحوار مع مجموعة من أساتذتى المفكرين بلجنة الإعلام والثقافة في مجلس الشورى وبإعتبارى اننى كنت أحد الأعضاء المعينيين بالمجلس من سيناء ، فكان الثناء على هذا الإختيار ليس لشخصى ، ولكن لكون تمثيل عنصر نسائى من أبناء سيناء ومن منطلق إعتبارات وطنية لهذا الإختيار ، وكما تحدث أساتذتى في هذا الشأن أنه جاء عن إختيار يحمل في طياته مضامين هامة تؤكد أن سيناء في فكر وإهتمام القيادة السياسية ، فقد فوجئت أنهم يعلمون الكثير عن سيناء ووطنية أبنائها وأدوارهم التي سجلت بحروف من ذهب ، وأننى أحمل جزء من تاريخ وطن كإبنة لأحد أبناء سيناء الأبطال وموزها الوطنية ، الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن سيناء والحفاظ كل ذرة تراب من أرضها ، والمقاومة الوطنية ضد قوى البغى والعدوان ، خلال فترة من أصعب فترات تاريخها إبان سنوات الإحتلال الإسرائيلي لها التي استمرت منذ عام : 1967م ، وحتى عودة سيناء قى ابريل 1982م ،،،
فكان طبيعى أن يدور الحوار حول سيناء وقضايا الأمن والتنمية ، ودور الثقافة والإعلام في دعم هذا التوجه ، لجزء عزيز لأرض مصرية تمثل قطعة مباركة من تراب مصر الغالى ، أوجدتها معطيات الموقع والتاريخ والجغرافيا في بؤرة صراع تاريخى ممتد ،،،
حيث تفضل “اُستاذنا المؤرخ الدكتور يونان لبيب رزق” في حديثه لى انه قد كتب عن سيناء كثير وعن الأطماع الصهيونية فيها فقد ذكر لى ماكتبة من سلسلة مقالات عن سيناء وعلاقتها بالقدس حيث أشار إلى هذه العلاقة التاريخية من خلال سلسلة مقالاته الشهيرة والتي كانت تنشر في جريدة الأهرام حينها ومنها يحمل عنوان “إلى القدس عبر سيناء” حيث الحديث عن سيناء كطريق وممر ومعبر تاريخى شهد العديد من الأحداث العظام ، وبين تراث ديني تتنوع معالمه مابين الوادي المقدس طوي ، وطريق المحمل وكسوة الكعبة المتجه للجنوب ، وطريق الشمال الذى سلكته العائلة المقدسة ودروب ومسالك قطعها حجاج في طريقهم للقدس من جهة الشمال ، ورحلات الحجيج قاصدين مكة المكرمة وعرفات الله والمدينة المنورة ، ومابين مساجد وأديرة يُذكر فيها الله وتسبح بحمده في الأرض التي تجلى فيها الخالق عز وجل ، وبقايا قلاع وآثار حروب ومشاريع محدودة وتهميش لأرض وبشر…
وما بين كل ذلك تتكشف ملامح ثقافة أرض رفضت القطيعة وحافظت على الهوية وذرات تراب أرض ارتوت بدماء مصريين جمعهم حب الوطن ولم تفرقهم الملة علي مر العصور،
كما حدثنى استاذنا المؤرخ الكبير عن قضية طابا ، وكيف أنه فى كتابه (طابا قضية العصر) والتى تعرض فيه إلى الأهداف الإستراتيجية الثابتة للدولة الصهيونية فى وجود حقيقى فى البحر الأحمر تبلور فى أهدافها من حرب 1956م ، وهى توسيع الشرفة الإسرائيلية المطلة على خليج العقبة وكذلك كان هدفها من حرب 1967م والذى كشفت عنه قضية طابا لذلك كانت المنطقة المتنازع عليها فى طابا هى تلك الشرفة الصغيرة من الأرض المطلة على رأس خليج العقبة والممتدة على شاطئ طابا بين سلسلة الجبال الشرقية وربوة جرانيتية قليلة الإرتفاع ملاصقة لمياه الخليج والتى تبلغ مساحتها “1020م 2” ، وهناك اُقيمت إستثمارات سياحية إسرائيلية ليؤكدوا إستحالة عودتها للسيادة المصرية ، وكما عمد الإسرائيليون إلى تزييف الحقائق أثناء إحتلال سيناء من 1967م إلى 1982م ، حيث قاموا بتغيير معالمها الجغرافية لإزالة علامات الحدود المصرية قبل حرب يونيو، فقاموا بإزالة أنف الجبل الذى كان يصل إلى مياه خليج العقبة وبناء طريق مكانه يربط بين إيلات التي هي فى الأصل “قرية ام الرشراش” المصرية وبين طابا .
كما إستفاض في حديثه إستاذنا المؤرخ الكبير عن تاريخ سيناء ووثيقة 1906م مفتاح قضية طابا ومحاولات عزل سيناء عبر العصور وتأجيج مشاعر الإغتراب والاختلاف بين أهلها وبين سكان الوادي وسمات ثقافتهم المحلية ولهجتهم القريبة والممزوجة بخليط من لهجات أبناء الجزيرة العربية وبلاد الشام ، والتي نلمس بعضا من سماتها وملامحها في صعيد مصر ،،،
كما طلب منى اُستاذنا بالمشاركة في ذلك البحث القيم الذى تزمع المجالس القومية المتخصصة في إعداده تحت شعار “سيناء ممر أم مستقر” ، وأبديت حينها حماسا منقطع النظير للمشاركة في ذلك العمل القيم ، حيث إختارنى للمشاركة معه في فريق عمله لهذا العمل الوطنى ، ولكن وللأسف لم تتاح لى الفرصة حينها حيث مرض اُستاذنا الفاضل وتوفى رحمة الله ،،،
ورغم ذلك فقد حرصت على تبنى قضية تنمية سيناء بإعتبارها مستقر من خلال دورى كنائبة في البرلمان المصرى وعضو بأهم اللجان فيه وهى لجنة الأمن القومى الى جانب لجنة اثقافة والإعلام ، وكانت مسيرة المطالبة بتنمية سيناء منذ عضويتى في مجلس الشورى عام 2004م ، وخلال دورتين والتي استطعنا أنا وزملائى نواب سيناء في البرلمان إلى تحريك المياه الراكدة حيث تحولت إلى قضية أمن قومى تهم كل مصري ، يطالب بها كل نواب مصر في غرفتى البرلمان ، وأعددنا فيها تقرير متكامل تحت عنوان “التنمية المتكاملة لشبة جزيرة سيناء” ، والتي ساهمت فيها معظم لجان المجلس فكان تقريرا ثريا مدعما بالمعلومات والبيانات ودراسات الحالة التي نقلناها من أرض الواقع والمعايشة الفعلية لمشكلاتها ومعوقاتها ، وطرح الأدوات والأساليب المعالجة لها ، وبدائلها الممكنة والمتاحة ، كان ذلك حصاد عمل جاد ومن خلال عدد من الزيارات لشمال وجنوب سيناء وجولاتنا المستمرة على أرضها وعلى إمتداد منطقة القناة من شمالها وحتى جنوبها بدأ من شرق التفريعة وحتى خليج السويس ،،،
بالفعل تنمية سيناء تمثل قضية أمن قومى فهى بوابة مصر الشرقية الأشد خطرا والإكثر حساسية ، وهى مطمعا للعديد من القوى المحيطة بنا ، وماتملكه سيناء من مساحة كبيرة وإمكانات عالية تمكنها إحداث قفزة من التنمية الشاملة بها ، حيث تمتلك شبه جزيرة سيناء إقليم اقتصادي متكامل يحوى كافة المقومات المتكاملة للتنمية على مستوى كافة القطاعات التنموية والاقتصادية (الزراعية والصناعية والسياحية …الخ ) وتعد مساحة سيناء التى تبلغ ثلاثة أضعاف دولة اسرائيل وخطورة الفراغ السكانى بها الذى يطمع بالإستيطان ، مع إمتلاكها لمقومات التنمية الشاملة من موقع إستراتيجى وبيئة نظيفة وعناصر جذب سياحى ومتنوع وإمكانات متنوعة مما يدعم قدرتها على إستيعاب وجذب السكان من مناطق عالية الكثافة بمحافظات الوادى والدلتا إذا ما توافرت البنية الآساسية من عناصر الربط البرى والبحرى والجوى والإتصالات والمياه والطاقة اللآزمة لإقامة كيانات إقتصادية متكاملة تدفع بعجلة التنمية والإستثمار فى كافة المجالات بغرص توفير اليات الجذب السكانى من خلال توفير فرص عمل للعديد من ألآفراد من الشباب والتخصصات المتنوعة والتى يمكن إستيعابهم فى مختلف القطاعات الإقتصادية طبقا لما أقرته دراسات المشروع القومى لتنمية سيناء حتى 2017م .
ولذا فإن أهمية الإسراع بخطة تنمية لدمج سيناء وربطها فى الكيان الإقتصادى والعمرانى والإجتماعى للدولة وضرورة وضع خريطة إستثمارية متكاملة (عمرانية – صناعية – تعدينية – سياحية ) تحقق التوظيف الآمثل لإستخدامات أراضى الدولة وقدراتها الإستيعابية مما يدعم الأبعاد الإستراتيجية ويحقق البعد الأمنى المترتب على موقعها بإعتبار أن سيناء معبرا لمعظم الغزوات التى تعرضت لها مصر على مر التاريخ ، فسيناء هى درع مصر الشرقى الذى يمكن تقويته حفاظا على أمن مصر كلها وبالتالى فإن تنمية سيناء وتدعيمها بالقوة البشرية هى الدرع الحقيقى لآمن مصر
حيث أن التطور الكبير المتوقع للتجارة الدولية وتعاظم حركة النقل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ، يعطى ميزه نسبية لشبه جزيرة سيناء حيث موقعها الاستراتيجى المطل على البحر المتوسط من الشمال وخليجى السويس والعقبة فى الجنوب وقناة السويس من الغرب ، وفى ظل الرافد النشط من قناة السويس الجديدة ، الذى لابد من تأمين جواره الجغرافى وضفته الشرقية ، وخلق بيئة مواتية للإستيعاب والإستقرار من خلال مد جسور التنمية الزاحفة عبر سيناء ومساحتها الممتدة والتي يمكن الإستفادة منه بجذب عمليات التخزين والتجميع وإعادة التصدير، ومايصاحب ذلك من تطوير للخدمات الملاحية والشحن والتفريغ والتغليف ، إضافة إلى إمكانية إقامة قلعة صناعية فى منطقة وسط سيناء يمكن أن يحول المنطقة إلى نقطة تجارية وإقتصادية دولية .
كما أن تحقيق الربط الوظيفى والعضوى لسيناء بمنطقة القناة يسهم فى دمج سيناء فى الكيان الإجتماعى والإقتصادى للدولة ، يعظم من قيمة مصر المكانية الإقليمية والعالمية بما يميز هذه المنطقة من موقع جيوإستراتيجى وإمكانات إقتصادية عالية يحقق تكامل وإتساق لمنظومة التنمية الشاملة لجمهورية مصر العربية ويسهم فى حل كثير من القضايا التنموية والسكانية .
وهنا يجب أن ننظر إلى أن التنمية المتكاملة والشاملة لشبه جزيرة سيناء يجب الآ تسير فى الإتجاهات التقليدية والروتينية ، كباقى محافظات الجمهورية بل يجب أن تكون تنمية ذات طابع خاص فى إطار الآهداف الإستراتيجيه المقترحة وتتمشى مع إمكانيات ومجالات التنمية المتاحة وحسبا لإحتياجات ومتطلبات مجتمع سيناء وإنطلاقا من ذلك يمكن ان نتناول طرح المتطلبات الإساسية للتنمية فى سيناء وأليات الأستخدام الآمثل لإدارة الموارد المتاحة على أرضها وجدوى هذه التنمية ومردودها على الإستقرار الأمنى والبشرى ، حيث يمكن تناول ذلك من خلال ثلاثة محاور من خلال حزمة من الإستراتيجيات المقترحة فى المجالات التالية :
أ- الإستراتيجية المقترحة فى مجال التنميه الزراعيه والتى تشمل :
(1) الرؤية المستقبلية للتنمية الزراعيه فى سيناء.
ب- الإستراتيجية المقترحة فى مجال التنمية الصناعية والتعدينيه والسياحية
(1) الرؤية المستقبلية للتنمية الصناعيه والتعدينيه فى سيناء .
جـ- الإستراتيجية المقترحة فى مجال التنمية العمرانية
(1) الرؤية المستقبلية للتنمية العمرانية والبنى التحتية فى سيناء .
د- الإستراتيجية المقترحة فى مجال التنمية البشرية من خلال : الصحة -التعليم –الثقافة – الاعلام …الخ ويمكن أن تقسم هذه الرؤى إلى :
(أ ) منظور قريب :- 2:1 سنه .
(ب) منظور متوسط :- 5:4 سنه .
(جـ) منظور بعيد :- حتى 10 سنوات .
فما أحوجنا اليوم إلى العمل الدؤوب لتنفيذ هذه البرامج الواضحة المعالم من خلال خطط إستراتيجية تنفذ على أرض الواقع محددة بمديات زمنية ، ويجب أن نكون جادين في تنفيذها ، والتي قد توفر علينا الكثير من الجهد والعبء لحماية أرض جرداء بلا تنمية تعانى من فراغ سكانى وتنموى يطمع الأخرين ، أرض مباركة رمالها من تبر مايبذر فيها إلا كل ماهو خير، لو دب الإستثمار والتنمية في عروقها فلن ينبت فيها إلا الخير، ونحن قادرون بجهودنا وعملنا الجاد أن نجعلها مستقرا تستوعب كافة روافد التنمية وتفيض بخيرها على بلادنا وأبنائنا، وليست مجرد ممرا لكل طامع في أرضنا ، فتستنزف فيها مواردنا المالية والبشرية وتهدر على ثراها أرواح أبنائنا وزهرات شباب الوطن !!!
فهل يمكن … أن تصبح سيناء مستقرا … وليست مجرد ممرا ؟؟؟
———————————
تحياتى / سهام عزالدين جبريل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *