آراء وتحليلات

طريق الحرير و مخاطره على قناة السويس

بقلم : محمد صلاح الدين

باحث في لوجيستيات النقل البحري

                

 

 

 

الحقيقة وراء القطار
 ==============

طالعتنا وكالات الأنباء منذ حوالي أسبوع خبراً مثيراً للإنتباه و هو وصول أول رحلة لقطار الشحن الصينى الجديد “آسيا ـ أوروبا” الى لندن .

مما ظهر على الإعلام فريقين أحدهما يعلن إنتهاء دور قناة السويس بينما الآخر يعلن عدم وجود أى تهديد للقناة لا من القطار أو غيره تحت أى ظروف .

و فى حقيقة الأمر أن الموقفان هما إنعكاس لإستقطاب سياسي ممل إعتدنا عليه فى مصر منذ ثورة يناير 2011 ممن يطلقون على أنفسهم خبراء إستراتيجيون حيث يتم إستخدام نظرية المؤامرة في تسييس كل الأخبار التي تتعلق بالشأن المصري مثل قناة السويس .

 

مبادرة الحزام و الطريق
================

نعود قليلاً إلى الوراء لأصل الموضوع ، أعلنت الصين فى عام 2013 إعادة إحياء طريق الحرير القديم تحت مسمى “مبادرة الحزام و الطريق BELT ROAD INITIATIVE“. الفكرة تقوم على تسهيل التجارة مع 65 دولة تمثل 60% من تعداد العالم ينتجون 29% من الإنتاج العالمى و ذلك عن طريق إنشاء طريق بحرى و برى و خط سكك حديدية و خطوط أنابيب لنقل المواد البترولية و شبكات نقل الكهرباء ، كابلات إتصالات و إنشاء مناطق لوجستية و أيضا تطوير للموانئ و يتواكب مع كل ذلك تأسيس بنك للتنمية و التجارة بواسطة العملات المحلية .

مبادرة طموحة و ضخمة تعكس أحلام التنين الصينى فى عالم جديد يتدخل فيه بشكل أكبر اقتصادياً و سياسياً و ثقافياً. (صورة رقم1)

 

يهدف الصينيون الى الحفاظ على معدل نمو مرتفع، و هو لا يتحقق إلا بزيادة الإنتاج و التصدير و ذلك لا يتم إلا بزيادة الطلب على المنتجات الصينية بإيجاد أسواق جديدة بما فيها الدول الحبيسة (التى لا تطل على البحر و لا يوجد لديها موانئ) مثل دول الإتحاد السوفيتى الأسبق .

دعنا نضع فى الحسبان أن أمريكا ـ لا تزال حتى الآن ـ  الشريك التجارى الأول للصين (تتجاوز التجارة البينية بينهما 650 مليار دولار سنوياً).

و بعد فوز ترامب هناك عالم جديد يتشكل فقد يصبح هذا الأمر مهدداً بالتغيير ، حيث يعتمد ترامب على الحمائية و تقليل الإعتماد على الإستيراد و وضع قيود على التجارة حيث أعتبر الصين علة الإقتصاد الأمريكى.

و كما يبدو ترامب لا يمزح فى هذا الأمر و ينفذ ما قاله أثناء حملته الإنتخابية بشكل كبير ، حيث أصر على وضع رسوم جمركية إضافية لواردات أمريكا من الصين بالطبع ستتأثر هذه الواردات بشكل كبير و تقل و عليه يصبح طريق الحرير الجديد طوق النجاة للصين.

 أى أن الصينيون يدركون جيدا أهمية اللوجستيات للتجارة و يريدون ربط العالم بهم بكل الطرق الممكنة ، أيضا يريد الصينيون الإستثمار فى البنية التحتية بكثافة فى دول الحزام ، موانئ و مناطق لوجستية و محطات طاقة .. إلخ ، هذا قد يفيد الصين جيوسياسياً بالتمركز فى نقاط محورية فى العالم قد يتيح لها أدوارا أكبر مستقبلاً.

 أضف الى هذا رغبة الصين فى تنمية المقاطعات الصينية الأقل حظاً فى التنمية، عكس الساحل الصينى الثرى و خصوصاً فى غرب الصين حيث تتوطن الأقلية المسلمة و ذلك بإنشاء منطقة لوجستية ضخمة للتصدير لدول الحزام. و هو هدف إقتصادى ـ أمنى من الطراز الرفيع، خصوصاً مع تهديدات الإرهاب التى لن تكون الصين بعيدة عنه.

 هناك هدف آخر مهم و هو الحصول على الطاقة بشكل رخيص و مستمر و خصوصاً من الشرق الأوسط .

 

القطار :
======

 نعود الى القطار مرة أخرى حيث أننا ندرك أن القطار جزء من المبادرة الصينية الكبيرة ، خط سكة حديدية طويل يقطع فيه القطار مسافة 7456 ميلا أى 12000 كيلومترا (صورة 2) فى 18 يوماً ماراً فى طريقه بثمان دول من مدينة يوو شرق الصين حيث البداية، ثم كازاخستان و روسيا و بيلاروسيا و بولندا و ألمانيا و بلجيكا و فرنسا، و ينتهى فى العاصمة الإنجليزية لندن و للخط مسارات أخرى قبل نهايته داخل أوروبا (صورة 3).

نقل القطار في رحلته الأولى 44 حاوية سعة 40 قدم 10 منهم تم إنزالهم فى دويسبورج – ألمانيا و 34 متبقيين وصلوا الى لندن مملوئين بالملابس و الحقائب و الأحذية الصينية.

هنا سنتاول التحليلات التى تناولت القطار بالسلب أو حتى بالإيجاب ليتضح لنا ما يي : ـ

 

أولاً :
===

أنه “قطار” و هو ليس بالأمر الدقيق إطلاقا !!!!!

يمر القطار بعدد من الخطوط الحديدية الموجودة مسبقاً ماراً بـ 155 مدينة فى آسيا و أوروبا تتواجد عبر ثمانية دول تختلف فى أنظمة السكك الحديدية فيما بينها، و نقصد تحديداً المسافة العرضية (البينية) بين قضبان السكك الحديدية فهى 1.52 متر فى دول الإتحاد السوفيتى الأسبق (كازاخستان ، روسيا ، بيلاروسيا) ،  بينما الصين و الإتحاد الأوروبى يعتمدون النظام القياسى 1.435 متراً و هو المعتمد فى مصر أيضاً (أنظر صورة رقم 4). أى لابد من تغيير القطار بين الأنظمة المختلفة أثناء الرحلة ، و هو ما يستدعى تنزيل و تحميل البضائع / الحاويات مرتان على الأقل خلال الرحلة !!!!! (صورة رقم 5) أى أن رحلة القطار ستقف فى كازاخستان لنقل جميع البضائع الى قطار آخر  ثم يسير حتى بولندا لتغيير القطار مرة أخرى ليمر عبر الإتحاد الأوروبى. 

 أهمية هذه المعلومة – و التى لم يدركها الكثيرون – أنه ستوجد صعوبةكبيرة فى تغيير القطار اذا ماكانت البضائع غير محواة (منقولة بدون إستخدام الحاويات ـ بضائع صب أو بضائع عامة مثل المحاصيل الزراعية أو الحبوب  (صورة 6).

إذن فسيقتصر دور القطار على الحاويات فقط التى يمكن بسهولة و سرعة نقلها و تحميلها أكثر من مرة بدون ضرر للبضائع.

 لحل هذه المشكلة سيتحتم على الصين تعديل نظام السكك الحديدية فى الإتحاد السوفيتى الأسبق و هو أمر صعب و مكلف للغاية و لا نتوقع أن تتحمل الصين هذه التكلفة الهائلة للبنية التحتية، فضلا أن الروس و غيرهم لن يوافقوا بسهولة.

 

ثانياً :

====

فى المسافات الطويلة لا يمكن مقارنة النقل البحرى بالنقل بالسككي أو النقل البرى فخطوط السكك الحديدية تتطلب صيانة دائمة لآلاف الكيلومترات مما يجعلها مع الوقت أكثر تكلفة من النقل البحرى الذى يستخدم المحيطات و البحار كما لا يمكن مقارنة الحمولات لكل منهما 90% من بضائع العالم يتم نقلها بحراً لهذا السبب بالأساس.

السفينة التى تستطيع الآن حمل عشرون ألف حاوية لا يمكن مقارنتها بقطار أقصى حمولة له لن تتعدى ال 200 حاوية ، أيضا بالنظر لهذه المسافة القطار أقل تكلفة من النقل الجوى (تقريباً نصف التكلفة) و أغلى من النقل البحرى بأربعة أضعاف .

تكلفة الشحن من الصين لإنجلترا عن طريق القطار حوالى 4600 دولار فى حين أنها لن تتعدى 700 – 1000 دولاراً للنقل البحري ، أى أننا يجب أن نتحدث عن تأثير القطار على النقل الجوى بشكل أكبر.

السرعة أيضاً أمر هام مدة الرحلة 18 يوماً بالقطار و ذلك للتوقفات العديدة و تغيير القطار مرتان على الأقل كما أسلفنا ، كان يمكنها أن تصبح أقل من النصف اذا ما كانت الرحلة تتم بنفس القطار بدون تغيير ، و هى تقريبا نصف زمن الرحلة البحرية .

هل الوقت الذى يتم توفيره يستحق التكلفة الإضافية؟

هنا نقطة مهمة، عند حساب سعر المنتج النهائى للمستهلك يتم إضافة تكلفة النقل فى حالة اذا ما كانت البضاعة رخيصة لن تتحمل إضافة مبلغ 4600 دولارا عليها و ستصبح غير تنافسية. أى أن القطار يمكنه نقل بعض البضائع مرتفعة الثمن و القيمة أو سريعة التلف و التى ستتحمل التكلفة الإضافية بدون تأثير على التسويق لدى المستهلك النهائي.

 

ثالثاً: 

====
ربما يعتبر البعض النقل بالسكك الحديدية أكثر أماناً من النقل البحرى و هو ما قد يكون غير دقيقاً فى هذه الحالة فالصين هنا تدير قطاراً يمر بدول أجنبية لا تملك عليها سلطة .

دعنا نفكر فى حالة حدوث كارثة أو إضطرابات سياسية فى دولة من الدول صاحبة خطوط السكة الحديدية أو فى حال اذا ما أرادت أى دولة أوروبية مثلاً أن تعاقب الصين إقتصادياً ، ماذا سيحدث لهذا القطار؟؟؟؟؟؟

رابعاً:

====
يدير هذا الخط مجموعة من الشركات / الهيئات المختلفة، لكل منها سياستها و أسلوب ادارتها و هذه الشركات / الهيئات تدير خطوطاً محلية للسكك الحديدية أى أنها بكل تأكيد لن تعطى الأولوية للقطار الجديد بسهولة و يستوجب هذا الأمر قدراً كبيراً من التنسيق خصوصاً عندما تزيد القطارات و يصبح الأمر عبئاً على السكك المحلية.

 

خامساً:

======
سيستوجب على البضائع المحملة بالقطار الخضوع للفحص من قبل خمسة أنظمة جمركية مختلفة. مما يزيد الأمر تكلفة و يطيل فترة التوقف ، إلا إذا إستطاعت الصين توحيد الأنظمة الجمركية في جميع الدول التى يمر بها القطار و هو أمر فى غاية الصعوبة و خصوصاً عدم وجود إرادة في هذه الدول لتنفيذه.

 

سادساً:

======

القطار مكمل لقناة السويس و لا يمكن أن يكون بديل لها و لكن هذا لا يعنى عدم وجود تهديد للقناة فينبغى على مصر الإسراع بالإنتهاء من مشروعها القومي بتحويل القناة الى منطقة لوجستية عالمية ، و محاولة الإضطلاع بدور أكبر فى طريق الحرير الجديد خصوصاً مع وجود منافسة من دول عديدة و أهمها اسرائيل.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى