أخبار دولية

في الذكرى الثامنة عشرة للإجماع الشعبي والانطلاقة التاريخية بمملكه البحرين

 

هناء السيد

تواصل مملكة البحرين المسيرة التنموية الشاملة بخطى واثقة بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، على المبادئ الراسخة لميثاق العمل الوطني الذي أطلقه جلالته منذ ثمانية عشر عاماً، لتعزيز المكتسبات الوطنية في المجالات كافةً، وتحقيق الاستدامة عبر تراكم الإنجازات وتأسيس المزيد منها لأجل رفعة الوطن والمواطنين.

وشكّل الميثاق نقلة نوعية في تاريخ البحرين الحديث من خلال إرساء قواعد الدولة العصرية المؤسسة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، والأخذ بأحدث الممارسات والنظم الديمقراطية بالدول المتقدمة، وتحديث بنية الدستور والقوانين والتشريعات والمؤسسات الدستورية، بما يتوافق مع المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى، وما قدمه جلالته من رؤى طموحة تنشد مزيداً من الارتقاء بمملكة البحرين إلى مصاف الدول المتقدمة.

وأسهم الالتفاف الشعبي منقطع النظير في إقرار الميثاق، بنسبة بلغت 98.4%، في التصويت علىالاستفتاء يومي الرابع عشر والخامس عشر من فبراير عام 2001، بمشاركة تاريخية تعكس الإقبال الهائل من مختلف قطاعات شعب البحرين وانتماءاته حيث حرص الشباب على مزاحمة كبار السن في لجان الاستفتاء إضافةً إلى أن المرأة كانت حاضرة بقوة في مجريات عمليات الاستفتاء وعلى مدار يومين كاملين، في أجواء من النزاهة والشفافية شهدت بها جميع الأطراف داخلياً وخارجياً، وهو ما يعكس إجماعاً شعبياً على ضرورة تحقيق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي تحت ظلال المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى.

استجابة جادة لمتطلبات الإصلاح

وفي هذا السياق، يقول فضيلة الشيخ د.عبداللطيف آل محمود عضو اللجنة الوطنية العليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني، إن مملكة البحرين شهدت العديد من المتغيرات المحلية والعالمية في فترة ما قبل الميثاق الوطني، وأصبح العالم أحادي القطب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إضافةً إلى جملة من التطورات الداخلية التي تطلبت إحداث بعض التطوير في مملكة البحرين، موضحاً أن طرح فكرة ميثاق العمل الوطني دليل بصيرة جلالة الملك في إدراك ملامح الإصلاح المطلوب، ومن ثم كان التحرك الجاد لتنفيذ الإصلاحات الديمقراطية التي تضمنها الميثاق وكفلها الدستور الجديد، عبر إجراءات اتسمت بالشفافية والوضوح والعزم في المضي قدماً في المسيرة الإصلاحية.

لقد ضمن ميثاق العمل الوطني مستقبلاً مشرقاً لمملكة البحرين، عبر الارتكاز على المشاركة الشعبية في مسؤوليات الحكم، بما يضمن الحرية والمساواة، من خلال خطوات جريئة نحو التطور السياسي والنمو الاقتصادي، وتعزيز دعائم الديمقراطية لمواجهة التحديات، ويضيف آل محمود أن أحد أبرز إنجازات الميثاق الوطني هو عودة الحياة النيابية، حيث عقدت الانتخابات النيابية والبلدية في عام 2002، عقب إقرار الدستور الوطني في العام نفسه، مع صلاحيات أوسع تتيح لمجلس النواب أعمال الرقابة على عمل الحكومة وهو تطور لافت في هذه المرحلة.

وكفل دستور مملكة البحرين الذي أتي استناداً إلى ميثاق العمل الوطني، حق المشاركة رجالاً ونساءً في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية في البلاد،وأرسى الميثاق مبدأ الفصل بين سلطات الدولة، ومساواة المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

وفي ما يتعلق بالرقابة، نص ميثاق العمل الوطني على أنه من أجل تفعيل أدوات المراقبة المالية والإدارية، وزيادة شفافية العمل في كافة إدارات الدولة، يصبح من اللازم إنشاء ديوان للرقابة المالية وآخر للرقابة الإدارية، وهو ما نص عليه الدستور الوطني في المادة (116)، وسعياً لاستكمال المؤسسات الدستورية تم إنشاء ديوان الرقابة المالية في عام 2002، وشهد الديوان تطويراً مهماً في عام 2010، حيث أصبح ديوان الرقابة المالية والإدارية، ويهدف إلى التحقق من حسن إدارة الأموال العامة، وسلامة الإجراءات الإدارية والتحقق من الاستخدام الأمثل لمرافق الدولة، وأصدر الديوان عديداً من التقارير تضمنت نتائج الرقابة على الحساب الختامي للدولة والحسابات الختامية للجهات الخاضعة لرقابته، ونتائج أعمال رقابة الأداء والرقابة الإدارية. وبحسب قانون الديوان ترفع تقارير الرقابة إلى جلالة الملك ومجلس الوزراء ومجلس النواب.

إنجازات سياسية واقتصادية نوعية

ويوضح فضيلة الشيخ محسن آل عصفور رئيس مجلس الأوقاف الجعفرية أن ميثاق العمل الوطني جسد روح الهوية الوطنية الجامعة ومثل نقطة تحول تاريخية برؤية مستقبلية ثاقبة، وإجماعاً شعبياً وانطلاقة تاريخية لعهد جديد من الإصلاح، مشيراً إلى تحقيق مملكة البحرين إنجازات ومبادرات نوعية وكمية من أبرزها عودة الحياة البرلمانية، وإعادة تشكيل المجلس الوطني بغرفتيه، واتجهت المملكة نحو الاعتماد على حرية السوق، واستقطاب الاستثمار الأجنبي، ودعم القطاع الخاص ليكون محركاً أساسياً في الاقتصاد الوطني، وهو ما تأسست عليه رؤية البحرين الاقتصادية (2030).

وركّز ميثاق العمل الوطني على مبدأ الحرية الاقتصادية، وضرورة تنويع النشاط الاقتصادي ومصادر الدخل، ونص على قيام النظام الاقتصادي بالمملكة على المبادرة الفردية وحرية رأس المال في الاستثمار والتنقل مع دعم دور القطاع الخاص في تنمية الموارد وتنشيط الحركة الاقتصادية، وشدد الميثاق على أن يصاحب الانفتاح الاقتصادي تغيير في تفكير الإدارة العامة نحو تبسيط الإجراءات والشفافية والقضاء على التداخل في المسؤوليات وتحسين مستوى الخدمات، وتحديث التشريعات الاقتصادية. وهو ما تمت ترجمته بإصدار قانون الشركات التجارية وقانون تملك غير البحرينيين للعقارات المبنية والأراضي في عام 2001م، بالإضافة إلى صدور قوانين المعاملات الإلكترونية، والميزانية العامة، وسياسات وضوابط الخصخصة، في عام 2002، وصدر قانون مصرف البحرين المركزي والمؤسسات المالية في عام 2006.

وعلى الصعيدين القانوني والحقوقي، مهّد ميثاق العمل الوطني الطريق لصدور حزمة من القوانين والتشريعات منذ ذلك الحين وبوتيرة لم تتوقف، لتصبح داعماً رئيساً لإجراءات الإصلاح، وواحداً من أبرز ثمرات المسيرة الإصلاحية لشمولها جميع القطاعات، فصدر قانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون مجلسي الشورى والنواب في عام 2002، وبشأن الحريات الشخصية، والمساواة بين المواطنين صدقت مملكة البحرين على الميثاق العربي لحقوق الإنسان، في عام 2006، وفي العام نفسه صدر قانون بالموافقة على انضمام المملكة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي عام 2007 انضمت حكومة مملكة البحرين إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي العام الذي يليه صدر القانون رقم (1) لسنة 2008 بشأن مكافحة الاتجار بالأشخاص.

ميثاق الحريات وحقوق الإنسان

وإيماناً بوجوب صون الحريات والقيم، أولى ميثاق العمل الوطني أهمية خاصة بكفالة الحريات الشخصية والمساواة، وحرية العقيدة، وحرية التعبير والنشر، وضمان حرية نشاط المجتمع المدني وتكوين الجمعيات الأهلية والعلمية والثقافية والمهنية، والنقابات، على أسس وطنية، وأعلى الميثاق من قيمة الأسرة أساساً للمجتمع، وجعل الدولة مسؤولة عن حفظ كيان الأسرة الشرعي، وحماية الأمومة والطفولة ورعاية النشء، بالإضافة إلى تكفل الدولة بتحقيق الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.

ويؤكد رئيس مجلس الأوقاف الجعفرية مجدداً أن ثوابت الميثاق ترتكز على تعزيز الوحدة الوطنية في ظل روح الأسرة الواحدة، إذ إن تاريخ البحرين حافل بالتعايش بين أتباع جميع الأديان والثقافات بالإضافة لحرية الرأي المكفولة للجميع، لافتاً إلى أن التنوع والثراء الذي يتميز به المجتمع البحريني الذي يضم بين مكوناته أتباع الأديان السماوية كالمسلمين والمسيحيين واليهود، إلى جانب الأديان الأخرى، كل ذلك أسهم في بناء وتطور المجتمع البحريني المتمازج.

وأُنشئت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في عام 2014انطلاقاً من قيم الميثاق الوطني، الذي جعل من مملكة البحرين رائدة بين دول المنطقة في الاهتمام بمبادئ حقوق الإنسان والحفاظ عليها، وتعمل المؤسسة الوطنية على تعزيز وتنمية وحماية حقوق الإنسان، والعمل على ترسيخ قيمها ونشر الوعي بها، وضمان الإسهام بممارستها بحرية، واستندت المؤسسة إلى “مبادئ باريس” المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أساساً قانونياً في إنشائها.

تعزيز مكانة المرأة

وعزز ميثاق العمل الوطني من مكانة المرأة البحرينية، ونص على مشاركتها في الحياة السياسية للمرة الأولى في البحرين، وضمان مشاركتها في مختلف الشؤون العامة شريكاً رئيساً في المسيرة الإصلاحية الشاملة، ويعد إنشاء المجلس الأعلى للمرأة أحد معالم تعزيز دور المرأة في المملكة، حيث أنشئ المجلس في عام 2001م، بهدف ضمان تحقيق الاستقرار الأسري في إطار الترابط العائلي والمجتمعي، ورفع قدرة المرأة في المساهمة التنافسية في العملية التنموية القائمة على أسس تكافؤ الفرص وإدماج احتياجات المرأة فيها.

ومنذ ذلك الحين، ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في مجلسي النواب والشورى، وصولاً إلى فوزها برئاسة المجلس النيابي للمرة الأولى في انتخابات عام 2018، وتُشكل العاملات البحرينيات في القطاع العام حوالي 48% من إجمالي العاملين البحرينيين في القطاع العام، وحوالي 32% من العاملين البحرينيين في القطاع الخاص، وحققت المرأة أعلى نسبة على مستوى دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا فيما يتعلق بمشاركتها في المناصب الإدارية الوسطى بنسبة بلغت 59%، بحسب دراسة أعدتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

نجاحات الدبلوماسية البحرينية

ولم يغفل ميثاق العمل الوطني البعدين الإقليمي والدولي في سياق رسم ملامح المستقبل، إذ جدد إيمان البحرين حكومةً وشعباً بوحدة الهدف والمصير والمصالح المشتركة لشعوب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وحرص المملكة على العمل دوماً بكل ما أوتيت من جهد على دعم مجلس التعاون ومساندة القضايا العادلة للدول الأشقاء الأعضاء فيه، وظهر ذلك جلياً عبر التزام مملكة البحرين الثابت بأعلى درجات التعاون والتنسيق مع دول المجلس، وشاركت مملكة البحرين في مختلف الملفات المشتركة بين الدول الأعضاء، كان من أحدثها مشاركة البحرين جنباً إلى جنب مع أشقائها من دول التحالف لدعم الشرعية في اليمن، والتصدي الدبلوماسي للمحاولات الإيرانية التدخل في شئون دول مجلس التعاون، وأسهمت دول مجلس التعاون قبل ذلك في هذا الشأن من خلال دعم الاستقرار في مملكة البحرين من خلال قوات درع الجزيرة.

وانطلاقاً من حرص ميثاق العمل الوطني على العلاقات السياسية الدولية للمملكة بدول العالم والدول العربية والإسلامية، نجحت مملكة البحرين عبر نظام عملها الدبلوماسي في بناء شبكة قوية من التحالفات والشراكات الدولية القائمة على أسس احترام سيادة الدول وحسن الجوار، ومد جسور التفاهم وتقريب وجهات النظر في القضايا كافة.

وفي هذا السياق حرصت مملكة البحرين على الانضمام إلى عديد من الاتفاقات والمواثيق الدولية في شتى مناحي التعاون الدولي، وهو ما يفسر الحراك الدبلوماسي النشط الذي شهدته المنامة ولاتزال على مدار سنوات المسيرة الإصلاحية، على مستوى الزيارات والمباحثات الثنائية مع كبار المسؤولين في الدول ذات التأثير في مجريات الأحداث في العالم، أو لجهة استضافة البحرين فعاليات ولقاءات رفيعة المستوى في مجالات السياسة الدولية والدفاع والأمن الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *