آراء وتحليلات

الأسير بين الشريعة والقانون

دكتور : السيد مرسى

يعرف الأسير في اللغة – بكونه المقيد أو المسجون ، أو الأخيذ ، وكل محبوس في قيد أو سجن ، والاسرة جمع أسير ، وقد عرف الفقه الإسلامي الأسير بأنه ” المقاتلون من الكفار حال ظفر المسلمين بأسراهم أحياء ” وكذلك نجد أن الاسير في الفقه الإسلامي لا يشترط لحدوثه قيام حرب ، إذ إن الاسر قد يحدث دون قتال كأن يضل أحد الافراد فيؤخذ بواسطة حيله ، وقد اقترب القانون الدولى لصفة الأسير من الفقه الإسلامي من خلال الاستقرار على شروط محددة وحال انطباقها يضفى على الشخص صفة الأسير ، كما جاء في اتفاقية جنيف الثالثة عام 1949 بشان معاملة أسرى الحرب .

ولقد عانت البشرية من ويلات الحروب، وتشير الاحصائيات الى قيام 14000 حرب خلال 500 سنة، ويقدر عدد الموتى بخمسة مليارات تقريبا والملايين من الاسرى، وكان للشرائع السماوية والقانون الدولى الإنساني دورا هاما لمواجهة أثار النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية، وكيفية معاملة أسرى الحرب.

فقديما كان يسترق الأسير كما بالحضارة الفرعونية والتي تمتع فيها الأسير بالمعاملة الحسنة ولم يتم معاملتهم معاملة الأشياء، على خلاف السومريين كانوا يذبحون الأسرى كقرابين للآلهة، لأجل بث الرعب في نفوس الأعداء، وفى عهد حمورابي كانت معاملة الأسير حسنة، على خلاف الرومان كانوا يقسون على الأسير بالعذاب والتنكيل في البداية وتبدل الحال مع ضغط التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وكانت الديانات السماوية مرحلة وسطى بين معاملة الأسير قديما وحديثا ، فمن جهة نجد أن اليهود عاملوا أسرى الحرب معاملة تتسم بالقسوة والوحشية ، وظهر ذلك جليا عندما هزم اليهود الكنعانيين ، بل كانوا يقومون بشراء الأسرى من الحرب ، وذلك رغبة منهم في الاستمتاع بقتلهم ، وقد أسس اليهود ذلك بقولهم أن الرب أمر اليهود حال استعدادهم لخوض الحرب أن يعرضوا الصلح أولا ، وحال عدم استجابة العدو للصلح والخضوع يقومون بضرب رقاب الجميع ، وقد زعموا بأن ذلك ورد بالإصحاح العشرون من سفر التثنية بالعهد القديم ، أما الديانة المسيحية فقد نادت بالسلام وقد ساهمت في تحسين أحوال الرقيق الذين عدت الحرب أهم مصادرهم ، أما الشريعة الإسلامية جاءت متفقه مع الديانة المسيحية وذلك بالدعوة لمعاملة اسير بالرحمة لقولة تعالى ” ” وجاء ذكره في القران الكريم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة الأنفال : 70] ، { ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ } [سورة الأنفال : 67] ، وكذلك في قوله تعالى { وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىُٰ فَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [سورة البقرة : 85] . هذه الآيات تبين أن المولى عز وجل قرر أن تكون معاملة الأسير حسنة تتضمن العفو والمغفرة ففي الآية الأولى كانت بمناسبة غزوة بدر ، وفى الآية الثانية كانت بمناسبة أسرى اليهود وذلك من جراء ما جاء من قبلهم من مشاحنات وعداوات ، راعى النبي – صلى الله عليه وسلم – معاني الرحمة والكرامة الإنسانية التي تراعي مصلحة الدولة المسلمة وحقوق الأسرى ، والتي لم يبلغها القانون الدولي الإنساني المعاصر ، فقال ـ استوصوا بالأُسَارَى خيرا ) رواه الطبراني) ، وقد التزم قواد المسلمين بذلك وأحسنوا للأسرى وأطعمهم وعدم تجويعهم وان لم يجدوا طعاما ، واحضرا لهم الكسوة ، واطلق سراحهم ، كما فعل صلاح الدين مع الصليبين ، عندما أسر العديد منهم ولم يجد لهم طعاما فأمر بإطلاق سراحهم .

 

وقد أظهر العدوان الحالي على غزة من جانب قوات الاحتلال الصهيوني عورات النظام القانوني الدولى والمتمثل في الأمم المتحدة، وموقف مجلس الامن العاجز تماما عن وقف العدوان على غزة ومرجع ذلك حالة الاستقطاب الحادة بين الدول الكبرى وعلى رأسها الفيتو الأمريكي. والمعاملة السيئة للأسرى في سجون الاحتلال والقطاع على خلاف ما جاء بالاتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف 1949 لأسرى الحرب والتي تضمن العديد من الحقوق التي تمنح الأسير حسن المعاملة كما جاء بالمواد أرقام 19 ، 20 من هذه الاتفاقية .

وإلى لقاء

دكتور : السيد مرسى

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *